من الشغف الفردي إلى صناعة عالمية: كيف أعادت السعودية تعريف فن الرسم والرسوم المتحركة؟
1. البداية: من اجتهادات فردية إلى مجتمعات رقمية تلهم الجيل في العقود الماضية، كان الفنان العربي والسعودي يواجه
قالت الجدّة وهي تنظر إلى الأفق: «هذا وسمي».
رفع الحفيد عينيه عن هاتفه، فرأى الغيمة نفسها التي تعرضها الشاشة برمزٍ صغير ونسبةٍ مئوية لاحتمال المطر. كانت الشاشة أدقّ في الأرقام، لكن الكلمة كانت أوسع في العالم؛ فهي لا تخبر عن مطرٍ قادم فحسب، بل تستدعي موسمًا كاملًا: رائحة تراب يترقّب، وأرضًا تُهيَّأ للبذر، وقومًا تعلّموا أن يقرؤوا السماء قبل أن يقرؤوا أي شيء آخر. الشاشة أعطته معلومة، والجدّة أعطته معنى. وبين المعلومة والمعنى تقع المسافة كلها التي تفصل بين أن نعرف الشيء وأن ننتمي إليه.
هذه المسافة هي ما نسمّيه الثقافة، وكثيرًا ما نظلمها حين نختصرها فيما يُوضع في واجهة زجاجية أو يُعرض في موسم: زيٌّ يُلبس مرة في العام، وطبقٌ يُصوَّر قبل أن يُؤكل، وأهزوجةٌ تُردَّد في المناسبات دون أن يُسأل عن معناها. هذه كلها علامات على الثقافة، لكنها ليست الثقافة، كما أن الثمرة ليست الشجرة. الثقافة هي التربة التي نبتت فيها العلامات: طريقة الناس في أن يفرحوا ويحزنوا، وفي أن يستقبلوا الضيف ويودّعوه، وفي أن يختلفوا دون أن ينكسر ما بينهم، وفي أن يسمّوا الأشياء فيجعلوها مألوفة. هي الذاكرة التي لا تحفظ الوقائع فحسب، بل تحفظ الطريقة.
وحين يقترب اليوم الذي ترتدي فيه المدن أخضرها، يحسن بنا أن نسأل عمّا نحتفل به حقًّا. الإنسان يرث أرضًا لم يشترها، واسمًا لم يخترعه، وتاريخًا لم يكتبه بيده؛ لكنه لا يرث الهوية كاملة. الهوية ليست ميراثًا يُسلَّم في صندوق مغلق، بل وديعة ناقصة تُسلَّم إلى يدٍ ستُكملها، فإن أهملتها تآكلت في صمت. والأمم في هذا كالأفراد: من فقد ذاكرته لم يفقد ماضيه وحده، بل فقد القدرة على أن يقول «أنا» بثقة.
وأول ما تحفظه هذه الذاكرة اللغة. ليست العربية وسيلةً نوصّل بها الأفكار كما تُنقل البضائع، بل بيتٌ نسكنه ولا نكاد نلتفت إلى جدرانه. حين نقرأ بيتًا قيل قبل قرون ونفهمه بلا وسيط، فإننا نعبر الزمن كله دون جسر يُرى، لأن الجسر مصنوع من الكلام ذاته. ولهذا لم يكن الشعر عند العرب زينةً تُلحق بالحياة، بل ديوان تجربتهم. وحين نتذكر أن سوق عكاظ قرب الطائف كان مجلسًا تلتقي فيه القبائل على القصيدة، ثم نرى اسمه يعود اليوم إلى الحياة في موسمٍ يُحتفى فيه بالكلمة، ندرك أن الأمم التي تعتني بلغتها لا تحرس الماضي؛ إنها تصون الأداة التي تفكّر بها.
وهذه اللغة الواحدة تتجسّد في أرض المملكة بلهجات كثيرة، لا في الكلام وحده بل في الطين والحجر والخيط. في نجد بيوتٌ من الطين تعلّمت الحرّ فاحتمت منه بسماكة جدرانها، وما زالت الدرعية تحفظ هذا الدرس في أحيائها القديمة. وفي جدّة التاريخية رواشين خشبية تُدخل النسيم وتحجب الشمس وتطلّ على الشارع دون أن تتخلّى عن حرمة البيت. وفي عسير تُلوَّن جدران المنازل بزخارف تتوارثها النساء، كأن البيت يكتب على نفسه. وفي الأحساء تمتد الواحات، وفي البادية يُنسج السَّدو، وفي الحجاز يعلو المزمار، وفي الجنوب والشمال أهازيج لا يشبه بعضها بعضًا. قد يبدو هذا كله اختلافًا، لكنه في حقيقته إجاباتٌ كثيرة عن سؤالٍ واحد: كيف يصنع الإنسان من هذه الأرض بيتًا يحنو عليه ولحنًا يشبهه؟ ومن أدرك أن السؤال واحد لم يعد يرى الاختلاف خطوطًا فاصلة، بل ألوانًا في نسيجٍ واحد.
غير أن حفظ الشيء ليس إحياءه. الحفظ يضع الأشياء خلف الزجاج ويكتب تحتها تاريخها، أما الإحياء فيعيد إليها وظيفتها في الحياة. المتحف يحفظ الدلّة، لكن البيت الذي تُسكب فيها القهوة لضيفٍ يعرف لماذا تُسكب على هذه الصورة هو الذي يُحيي الثقافة. والفرق بينهما كالفرق بين ورقةٍ مجفّفة بين صفحات كتاب وغرسةٍ تُسقى فتكبر. ثقافةٌ لا نعيشها تتحول إلى زيٍّ تنكّري، يُلبس ولا يُفهم، ويُعرض ولا يُمارَس.
وهنا ينقلب السؤال. فنحن حين نقف أمام ما ورثناه معجبين، نتحدث كأن الثقافة شيءٌ وُجد قبلنا وانتهى، ونحن ورثته المحظوظون. لكن أحدًا من أولئك الذين نُعجب بصنيعهم لم يكن يظن أنه يصنع تراثًا. الباني الذي رفع جدار الطين كان يحلّ مشكلة يومه، والشاعر الذي قال قصيدته كان يقول ما يشعر به الآن، والنسّاجة التي أدارت الخيط كانت تُنجز عملًا تتقنه. كل ما نسمّيه اليوم تراثًا كان في زمنه حاضرًا يُعاش بإتقان. ومعنى هذا أن الثقافة ليست شيئًا نتلقاه فحسب، بل شيءٌ نحن مسؤولون عنه، وأن السؤال الأجدر بنا لم يعد «ماذا ورثنا؟» بل «ماذا سنترك؟». فنحن، من حيث لا ندري، تراثُ أحفادنا.
وليس هذا السؤال ترفًا، فالخطر الذي يتهدد الذاكرة في زماننا ليس النسيان وحده، بل المعرفة السطحية أيضًا. جيلٌ يتعرّف إلى ثقافته من مقاطع لا تتجاوز ثوانيَ معدودة، يرى الرقصة دون أن يعرف مناسبتها، ويرى الزيّ دون أن يسأل عن أهله، ويظن أنه عرف. والمظهر يسهل نسخه وتقليده وتزييفه، أما المعنى فلا يُنقل إلا بالفهم، ولا يُفهم إلا بالسؤال والجلوس والإصغاء. الصورة السريعة تشبه صدًى بلا صوت: تُذكّرنا بأن شيئًا قيل، ولا تخبرنا ما هو.
غير أن الشاشة التي قد تُسطّح الثقافة قادرة أيضًا على أن تنقذها. فالتقنية ليست خصمًا للتراث كما يُظن، بل هي في حقيقتها ذاكرةٌ جديدة. الرواية الشفوية أهشّ أشكال الحفظ؛ إذا رحل الراوي دون أن يجد من يسمعه، رحل معه ما لا يوجد في كتاب. والهاتف نفسه الذي شغل الحفيد عن جدّته يستطيع أن يسجّل صوتها. ويمكن للمسح الرقمي أن يحفظ ملامح بيتٍ قبل أن تمحوها السنون، ولقواعد البيانات أن تجمع الأمثال واللهجات والأهازيج قبل أن تندثر، وللتصميم والبرمجة والسينما والألعاب أن تروي هذه الحكايات لعالمٍ لا يقرأ بالعربية لكنه يحسن الإصغاء إلى قصة صادقة. وحضور الثقافة السعودية في العالم لا يتحقق بأن تشبه غيرها لتُفهم، بل بأن تُقدَّم بأدوات العصر وهي تحتفظ بصوتها؛ فالعالم لا يبحث عن نسخة ثانية من نفسه، بل عن صوتٍ يضيف إليه ما لا يعرفه.
وهنا يتّضح دور الطالب والشاب. ليس مطلوبًا منه أن يكتفي بالتصفيق لما مضى، ولا أن يقف في صفّ المتفرجين على التراث. مطلوبٌ أن يكون الحلقة التي تصل الماضي بالمستقبل: موثّقًا يجلس عند الكبار ويدوّن، وباحثًا يفتّش في الجذور ويسأل عمّا وراء الظاهر، وكاتبًا يجعل الحكاية القديمة تتكلم بلغة اليوم، ومصمّمًا يقرأ الرواشين والزخارف فيستخرج منها خطًّا جديدًا، ومبرمجًا يبني للذاكرة أرشيفًا لا يضيع، وفنانًا يمنح النغمة القديمة صوتًا لم تألفه. الثقافة لا تبقى بأن تُحمى من الجيل الجديد، بل بأن تُسلَّم إليه ويُؤتمن عليها.
وربما كان هذا أعمق ما نستحضره في يومنا الوطني: أن قوة الوطن لا تُقاس بما يرتفع فيه من مبانٍ وجسور فحسب، فتلك تُشاد بالسنين والمال؛ أما ما يحمله أبناؤه من وعيٍ وقيمٍ وذاكرةٍ ولغة فلا يُشاد إلا بالأجيال، ولا يُشترى بأي ميزانية. الخريطة تُريك حدود الأرض، لكنها لا تريك ما بداخل الحدود: الكلمة التي تُقال عند أول المطر، والمجلس الذي يعلّم الصغير أن يصغي قبل أن يتكلّم، والقصيدة التي ما زالت تُفهم بعد قرون. وحين نسأل في هذا اليوم: ما الذي يجعلنا نحن؟ فالجواب ليس في الأرض وحدها، بل فيما تعلّمناه على هذه الأرض.
قالت الجدّة: «هذا وسمي».
وهذه المرة لم يرفع الحفيد عينيه عن الهاتف، فقد كان الهاتف في يده يسجّل صوتها. لم يكن يحفظ كلمةً فحسب؛ كان يتعلّم أن الوسمي لا يُخضِر الأرض وحده، إنما يوقظها، وأن الباقي على من يزرع. وهكذا هي الثقافة: مطرٌ أول تركه لنا من سبقونا، وموسمٌ طويل يُكتب بأيدينا. وما اليوم الوطني إلا لحظةٌ نرفع فيها رؤوسنا نحو الأفق لنتذكّر أن الموسم لا يُقام في يومٍ واحد من السنة، بل يُعاش كل يوم: في كلمةٍ نُحسن فهمها، وحكايةٍ نأبى أن تموت، وشيءٍ نصنعه بإتقان، ليقف أمامه حفيدٌ لم نعرفه، وينظر إلى الأفق، ويقول: هذا ما تركوه لنا.