هوية وطنية

التعليم من اجل الوطن

المعلم اساس المجتمع

منبر وطن

التعليم من أجل الوطن

بقلم: د. أحمد سعيد القحطاني

حين اتحدث عن التعليم، فإنني لا اتحدث عن حصة دراسية تنتهي بجرس، ولا عن كتاب يبدأ بصفحة وينتهي باختبار، بل اتحدث عن صناعة إنسان، وبناء عقل، وتشكيل مستقبل، وخدمة وطن.

اصدقائي الطلاب إن الوطن الذي نعتز به اليوم لم يُبني بالأمنيات، وإنما بُني بسواعد أبنائه، وبعلمهم، وإخلاصهم، وطموحهم، وإيمانهم بأن لكل واحد منهم دورًا ينتظره.

ومن هنا تبدأ رسالتنا في التعليم: أن نُشعر الطالب منذ مقعده الدراسي بأن ما يتعلمه اليوم قد يتحول غدًا إلى فكرة تخدم وطنه، أو ابتكار يحل مشكلة، أو مشروع يوفر فرصة، أو بحث يفتح بابًا جديدًا للمعرفة.

قاعدتي الطالب أولًا /

أؤمن بأن الطالب ليس رقمًا في كشف الحضور، ولا درجة في نهاية الفصل، ولا نتيجة في اختبار.

الطالب قصة وطموح وقدرات كامنة تنتظر من يكتشفها.

قد نجد طالبًا يتفوق في الرياضيات، وآخر يبدع في البرمجة، وثالثًا لديه قدرة مذهلة على القيادة، ورابعًا يمتلك موهبة في الكتابة أو الإعلام أو التصميم، وخامسًا لا يزال يبحث عن المجال الذي يجد فيه نفسه.

ومهمتنا التربوية ألا نصنع نسخًا متشابهة من الطلاب، بل أن نساعد كل طالب على اكتشاف المساحة التي يستطيع أن يتألق فيها.

فالمدرسة الحقيقية ليست المكان الذي يقول للطالب: احفظ ما أمامك، وإنما البيئة التي تسأله: ماذا تستطيع أن تضيف؟

وأرى ان التعليم الذي نريده هو ما يجعل الطالب يسأل قبل أن يجيب، ويفكر قبل أن يحكم، ويبحث قبل أن ينقل، ويجرب حتى يتقن .

نريد طالبًا لا يكتفي باستخدام التقنية، بل يفهمها ويطورها ويصنع من خلالها حلولًا جديدة.

ونريده قادرًا على التعامل مع كافة التقنيات الحديثة، وفي الوقت ذاته متمسكًا بقيمه، ومعتزًا بهويته، وواعيًا بمسؤوليته تجاه دينه ووطنه ومجتمعه.

فالمعرفة وحدها لا تكفي، والمهارة وحدها لا تكفي، وإنما نحتاج إلى معرفة تصاحبها قيمة، ومهارة تقودها مسؤولية، وطموح يعرف صاحبه لماذا يعمل ولمن يعمل.

التعليم الجيد يقودنا من الفصل إلى الحياة اي انه ليس كل مانتعلمه موجودًا داخل الكتب.

فقد يتعلم الطالب في زيارة إلى مصنع ما لا يتعلمه في عدة حصص، وقد تولد فكرة مشروع من رحلة علمية، وقد تكشف مسابقة عن قائد، وقد يصنع هاكثون مبتكرًا، وقد تغير مناظرة طريقة تفكير طالب، وقد تمنح مقابلة مع متخصص شابًا فكرة لمساره الجامعي والمهني.

ولهذا أرى أن الرحلات العلمية، والمسابقات، والهاكثونات، والمشاريع البحثية، والبرامج التقنية، والعمل التطوعي، والأنشطة الرياضية والثقافية والإعلامية ليست أمورًا هامشية في حياة الطالب؛ بل هي امتداد حقيقي للتعليم.

في هذه المواقف يتعلم الطالب العمل ضمن فريق، وإدارة الوقت، والتحدث أمام الآخرين، وتقبل النقد، والبدء من جديد بعد الفشل، وتحمل المسؤولية، وتحويل الفكرة إلى منتج قابل للتطبيق.

وهنا تحديدًا يبدأ التعليم في التحول من معلومة نتعلمها إلى خبرة نعيشها.

لا تخاف من الفشل فهو جزء من التعليم فمن الخطأ أن نربي أبناءنا على أن النجاح يعني ألا يفشلوا.

قد يدخل الطالب مسابقة ولا يحقق مركزًا. وقد يقدم مشروعًا ولا يُقبل.

وقد يجرب فكرة ثم يكتشف أنها لم تكن مناسبة.

وهذه المواقف ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته الحقيقية.

أريد من طلابي أن يعرفوا أن الإنسان الناجح ليس من لم يسقط يومًا، وإنما من عرف كيف يتعلم عندما يسقط وكيف يعود بصورة أفضل.

لذلك فإنني عندما أرى طالبًا يحاول وأراه يتعب ويبادر ويعيد المحاولة، فإنني أرى فيه شيئًا ربما يكون أثمن من الدرجة نفسها؛ أرى فيه شخصية تُبنى للمستقبل.

اصدقائي اهتمو بالصحة فهي جزء من النجاح ، لذا عندما نبني العقل، يجب ألا ننسى الجسد والنفس.

فالطالب يحتاج إلى نوم جيد، وغذاء متوازن، ونشاط بدني، وعلاقات إنسانية سليمة، وبيئة مدرسية يشعر فيها بالأمان والانتماء.

وليس الهدف من المدرسة أن تصنع طالبًا متفوقًا دراسيًا فقط، وإنما أن تساهم في بناء إنسان متوازن يستطيع أن يعيش ويعمل وينتج ويتعامل مع ضغوط الحياة.

كما أن الطالب يحتاج إلى من يستمع إليه، فقد تكون خلف تراجع طالب قصة لم نعرفها، وخلف صمته فكرة لم نتيح له فرصة لقولها، وخلف سلوكه رسالة يحتاج المعلم والمربي إلى فهمها.

وأحيانًا تكون كلمة واحدة من معلم سببًا في تغيير مسار طالب لسنوات طويلة.

ومن هنا نجد ان المعلم قد يصنع الفرص لطلابه ، فالمعلم في نظري ليس ناقلًا للمعرفة فقط، وإنما صانع فرص.

فربما يلاحظ في أحد طلابه قدرة لا يلاحظها الطالب نفسه، فيوجهه إلى مسابقة.

وربما يرى موهبة في الكتابة، فيمنحه فرصة للنشر.

وربما يكتشف اهتمامًا بالتقنية، فيرشده إلى أحد البرامج.

وربما يرى ترددًا في طالب، فيمنحه المسؤولية التي تجعله أكثر ثقة بنفسه.

وقد ينسى الطالب بعد سنوات كثيرة بعض ما قيل له في الحصة، لكنه لن ينسى المعلم الذي آمن به في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى من يؤمن به.

ومن هنا فإن أثر المعلم لا يُقاس بعدد الدروس التي شرحها فقط، وإنما بعدد الأبواب التي فتحها أمام طلابه.

ولا انسى الأسرة فهم الشريك الأول ولا يمكن للمدرسة أن تعمل وحدها.

فالأسرة والمدرسة شريكان في بناء الطالب، وكلما كانت العلاقة بينهما قائمة على الثقة والتكامل والوضوح، كانت فرص نجاح الطالب أكبر.

ومن المهم على الاسرة أن تسأل أبناءنا عن أفكارهم كما نسألهم عن درجاتهم، وأن نحتفل بمحاولاتهم كما نحتفل بإنجازاتهم، وأن نستمع إلى أحلامهم حتى وإن بدت في بدايتها بسيطة.

فالابتكارات الكبرى بدأت يومًا بفكرة صغيرة آمن بها صاحبها.

ومن اجل الوطن سخرنا العقول لهذا أقول لطلابي:

أنتم تعيشون في وطن يفتح أمامكم اليوم أبوابًا واسعة في التقنية والبحث والابتكار وريادة الأعمال والعلوم والصناعة والفضاء والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات.

ولا يكفي أن ننظر إلى هذه الفرص بإعجاب، بل يجب أن نسأل أنفسنا: أين سيكون موقعنا منها؟

من بين طلاب مدارسنا اليوم قد يكون مهندس مشروع وطني كبير، أو طبيب يكتشف علاجًا، أو باحث يقدم اختراعًا، أو مبرمج يبني منصة تخدم الملايين، أو رائد أعمال يؤسس شركة عالمية، أو معلم يلهم جيلاً جديدًا.

ولذلك فإن كل ساعة تقضيها في التعلم، وكل مهارة تكتسبها، وكل كتاب تقرؤه، وكل تجربة تخوضها، ليست استثمارًا في نفسك فقط؛ إنها استثمار في وطنك أيضًا.

فالتعليم من أجل الوطن يعطينا قوة أكبر بكثير من غيرنا لهذا نتعلم من أجل الوطن لا يعني فقط أن ترفع شعارات جميلة، وإنما أن تكون متقنًا فيما تقوم به.

يجب أن تحترم وقتك.

وأن تحافظ على ممتلكات وطنك.

وأن تبحث عن حلول بدل الاكتفاء بذكر المشكلات.

وأن تستخدم التقنية للبناء لا للإضرار.

وأن تحول موهبتك إلى منفعة.

وأن تتعامل مع نجاح زملائك بوصفه مصدر إلهام لا مصدر إحباط.

وأن تدرك أن الوطن لا يحتاج منا جميعًا أن نقوم بالأمر نفسه، ولكنه يحتاج أن يؤدي كل واحد منا دوره بأفضل صورة يستطيعها.

رسالة إلى طلابي:

وفي ختام هذه الكلمات، أكتب هذه الفقرة لا بصفتي معلمًا أو منسقًا أو مسؤولًا عن برنامج، وإنما بصفتي إنسانًا قضى جزءًا من حياته بين الطلاب، يفرح لإنجازهم، ويتألم لتعثرهم، ويرى في نجاح أحدهم شيئًا من نجاحه الشخصي.

إلى طلابي الأوفياء :

قد أطالبكم كثيرًا، وقد ألح عليكم في المشاركة والعمل والإنجاز، وقد أوجه أو أنقد أو أرفض أحيانًا عملًا لأنني أعلم أنكم تستطيعون تقديم ما هو أفضل منه.

لكن خلف كل ذلك أمنية واحدة: أن أراكم في المكان الذي تستحقونه.

وسأبذل -بإذن الله- ما أستطيع من جهد لأفتح أمامكم بابًا، وأبحث لكم عن فرصة، وأدلكم على طريق، وأساند فكرة تستحق الدعم، وأقف مع من يريد منكم أن يتعلم ويعمل ويتقدم.

ولست أعدكم بأن الطريق سيكون دائمًا سهلًا، لكنني أعدكم أنني سأحاول ألا يضيع بينكم طموح لأن أحدًا لم يسمعه، وألا تُهمل موهبة لأن أحدًا لم يكتشفها، وألا يقف طالب قادر عند باب فرصة كان يمكن أن نساعده في الوصول إليها.

أنتم لستم طلاب اليوم فقط بل أنتم رجال الغد، وصنّاع المستقبل، ومن بين مقاعدكم تُكتب فصول جديدة من قصة هذا الوطن العظيم.

ولذلك أقول لكم:

تعلموا، جرّبوا، ابتكروا، أخفقوا ثم عاودوا المحاولة، وارفعوا سقف أحلامكم…

فالوطن يستحق، وأنتم تستحقون أن نصنع معًا مستقبلاً يليق بكم.

د. أحمد سعيد القحطاني

مدرسة الموهوبين التقنية الثانوية

العودة للمقالات

قد يعجبك أيضًا